المدونة انتقلت إلى www.elbakkali.com

المدونة انتقلت إلى www.elbakkali.com

حرية التعبير والحق في الاختلاف

حرية التعبير والحق في الاختلاف


ردا على الإساءات المتوالية للإسلام
أسئلة منهجية حول الحرية والحق في الاختلاف

مصطفى البقالي ـ الجزيرة توك ـ الرباط

هل حرية التعبير مطلقة ؟ وما علاقتها بالحق في الاختلاف ؟
سؤالان شكلا صلب مداخلة للفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن في أمسية رمضانية بمدينة
الرباط في سياق تأملاته حول الإساءات التي يتعرض لها الإسلام.


تناقضات الحرية المطلقة :

ينطلق طه عبد الرحمن المتخصص في المنطق من مسلمة يتقاسمها مع أصحاب الإساءة مفادها
أن لاشيء من أفكار الإنسان أو أفعاله يجوز أن يكون مطلقا، وأن الإطلاق يتنافى مع بشرية الإنسان.
ورتب على هذه المقدمة أن حرية التعبير أيضا لا يمكن أن تكون مطلقة.

ويتساءل لكشف التناقض الواقع فيه من أسماهم "أبناء التنوير": كيف يقبل البعض بالقول إن حرية
التعبير غير مطلقة، ويرفض القول بأنها مقيدة، مع أن التقييد يعني عدم الإطلاق، كما أن الإطلاق يعني
عدم التقييد.

وبهذا المنهج الاستدلالي الذي ينطلق من مقدمات فلسفة التنوير نفسها، يخلص عبد الرحمن إلى أن
ثمة تناقض ولبس لدى من ينادون بحرية تعبير مطلقة في الوقت الذي يرفضون فيه وجود المطلق
نفسه.

ويرجع ذلك إلى حساسية عميقة لدى هؤلاء تجاه كل إحالة على الحد من الحرية أو تقييدها، وذلك
لخلفيتهم التاريخية المرتبطة بتجربة مريرة في الصراع بين الدين والعقل في الدين المسيحي.


تهذيب الحرية

ولإزالة هذا الإشكال المصطلحي: اقترح الدكتور طه عبد الرحمن مصطلحا بديلا هو "التهذيب"
بدل التقييد، فنادى بتهذيب الحرية عوض تقييدها.
وهذا التهذيب ينطلق بدوره من قيم حضارة التنوير الغربية نفسها والتي يتبناها دعاة الحرية
المطلقة: القيم الأخلاقية

بالنسبة لطه عبد الرحمن فإن الإنسان مطالب دائما بمراعاة هذه القيم الأخلاقية ببعدها الكوني
والإنساني المشترك، وهي القيم التي التي تشكل كنه إنسانيته، وبالتالي فحيثما لم تف الحرية بهذه
القيم الأخلاقية فقد أصبحت بالضرورة مسيبة، والتسيب هنا ليس إلا خروجا عن مقتضى الإنسانية،
مادامت تخلف آثارا مدمرة بالنسبة للآخرين.

أسئلة منهجية لفهم الخلاف:

هذه المقدمات دفعت بالدكتور طه عبد الرحمن إلى طرح أسئلة اعتبرها محورية في فهم الإشكال
في العلاقة بين الحرية والمسؤولية:
ماهي القيود الأخلاقية التي يجب فرضها على حرية التعبير؟ ومادام القانون يعاقب على خرق
القيود القانونية والسياسية فلماذا لا يعاقب على خرق القيود الأخلاقية، علما بأن القيود القانونية
إنما هي في جوهرها قيود أخلاقية ألبست في نصوص جبرية؟ فكيف له أن يعاقب على العرض
ولا يعاقب على الجوهر؟

ويذهب إلى أن دعاة الحرية المطلقة يقعون في تناقض كبير مع حرية الحق في الاختلاف، ليتساءل
عن طبيعة العلاقة بين حرية التعبير وحرية الاختلاف؟ هل هي علاقة تعارض أم تداخل؟
وهنا يؤكد أن جوهر المشكلة يكمن في كيفية التوفيق بين حرية الغربيين في التعبير، وحق
المسلمين في الاختلاف.
ويتساءل: ألا يلزم الغربيين عند كلامهم عن الدين ما يلزمهم عند كلامهم على الأفراد؟ مادامت
هناك قواعد تؤطر حرية التعبير عندما يتعلق الأمر بالأفراد، ومادام الدين عند المسلمين أهم من
الفرد نفسه.

ويذهب طه عبد الرحمن إلى اعتبار أن التباري في رسم كاريكاتيرات مسيئة للرسول صلى الله
عليه وسلم، أو استشهاد البابا بمقطع مسيء للإسلام ، لا يمثل فقط قولا، وإنما هو فعل يكتسب
هذه الصفة من أهمية المعتقد الديني عند المسلمين الذي يعلو على ذواتهم أنفسهم، ومن كون الهدف
الحقيقي لهذه الإساءات هو تغيير هذه المعتقدات ومواجهتها.

وهنا يتساءل الفيلسوف طه عبد الرحمن ألا يلزم الغربيين في قولهم على الإسلام ما يلزمهم في
أفعالهم التي وضعوا عليها حدودا وضوابط.



غياب الوجهة

يلخص طه عبد الرحمن جوهر المشكلة في ما أسماه بغياب الوجهة لدى "إنسان الساعة" أي
الإنسان المعاصر.

فإنسان الساعة وفق المحاضر أضاع كل قبلة يهتدي بها بعيدا عن هوى نفسه، مما أفقده القدرة
على تقدير أفعاله. وهو لا يثنيه عن الاستمرار في هذه الممارسات إظهار الألم مما فعل، ولا
المواجهة باليد أو بالمثل لو سمح الإسلام بذلك.


ما الحل؟

يلخص طه عبد الرحمن جوهر المشكل في افتقاد الموجه، ويدعو بالتالي إلى التعامل مع ما أسماه
إنسان الساعة تعامل المعالج.
يقول عبد الرحمن: يجب إقناع العالم بعدم أخلاقية هذه الممارسات الفاقدة للوجهة، وذلك لن يتأتى
إلا بأمرين إثنين:

- مضاهاة الآخرين في امتلاك أسباب العقل ، بكل ما يعني ذلك من التطور الحضاري والنهوض المادي،
من غير السقوط في مطبات الحضارة المعاصرة، ثم إظهار القيم الإسلامية المشتركة مع ما أسماها
"قيمهم المهذبة".

وبذلك سيكون بإمكان الفرد المسلم تحقيق استدلالية منطقية ينظمها في خطاب متسق للرد على هذه
الإساءات، وامتلاكه القدرة على تخليص النصوص من أسباب التقليص والتخصيص التي لحقت بها.


حرب لبنان ..حرب أخلاقية

ويستدل الدكتور طه عبد الرحمن على أهمية المعركة الأخلاقية بالحرب اللبنانية الأخيرة: فالمقاومة
اللبنانية بالإضافة إلى تفوقها في الميدان، نجحت في تحقيق نصر أخلاقي كبيرعلى الجانب الإسرائيلي،
فقد أظهرت أخلاقية أوسع من أخلاقيات العدو، جعلت الوزير الأول ووزير الخارجية الإسرائيليين
يؤكدان في أول تصريحاتهما بعد انتهاء الحرب أن إسرئيل التزمت بالأخلاق في حربها.وفي ذلك إشارة
على الإحساس بالهزيمة الأخلاقية في هذا الميدان بالنظر إلى ما اقترفته آلة حربها من دك للبنيان
على رؤوس أصحابها واستهداف الملاجئ والمخيمات والمستشفيات والأطفال.
  


أضف تعليقا