أصل إلى موقف الحافلات القريب من بيتي، وأقف منتظرا مع كثيرين فضلوا مثلي أن يدفعوا أربعة دراهم ثمنا لتذكرة الركوب في الحافلة بدل انتظار ما يقرره العداد الجشع إذا ركب أحدهم سيارة أجرة!!
تقف في يميني أربع فتيات، يبدوا من شكلهم أنهن طالبات..للعلم -ربما- أو لأشياء أخرى لم يتأكد منها ظني السيئ..
تصلني ضحكاتهم المجلجلة.. ويصلني من يساري صوت عجوز في حوالي الستين من عمرها وهي تحولق، وتؤكد فيما يشبه الهمس بأن الزمن "مسخ".
الحافلة لم تتأخر هذه المرة، انتظرناها نصف ساعة فقط!!
تتقدم بخيلاء نحو الموقف الذي اكتظ بالمنتظرين، ولونها البني يشي ببؤس صاحبته..
وبمجرد وقوفها تتقاذف الجموع نحو الباب الذي لم يفتح بعد كموجة عاتية، أحاول أن أحترم نفسي قليلا، وأنتظر حتى يجلس الجميع ويأخذوا مواقعهم، لأصعد إلى الحافلة بصعوبة بسبب ازدحامها الشديد، واضطر إلى مواصلة الرحلة واقفا، وطبعا تبقى هذه نتيجة طبيعية لرجل حاول أن يكون كأي جنتلمان يلبس نظارة، ويحمل حقيبة جلدية في يده اليمنى، ويلبس حذاء أسودا لمعه قبل يومين عند ماسح الأحذية.
الازدحام سيد الموقف داخل الحافلة، يخترق الجابي كل هذا الكم الهائل من الركاب ليصل عندي في الأخير والعرق يتصبب من جبينه العريض، يقترب مني ويمد يده لي بالتذكرة بطريقة ميكانيكية، أضع أربع دراهم في يديه، ويكمل هو طريقه "لجباية" الدراهم من بقية الركاب.
انتبهت فجأة إلى أنني أقف ملاصقا لامرأة سمينة تكاثر الشحم من كل منطقة من جسدها، فأحاول أن ابتعد عنها، لأصطدم بأخرى ورائي.
قبل أن نصل إلى المحطة الأخيرة بثلاث محطات توقفت الحافلة بشكل مفاجئ، جعل الجميع يرتد من مكانه، وجعل المرأة الملتصقة بي تدوس على حذائي الملمع، ألعنها في صمتي. .مفضلا الصمت.
يرقص في شفتي شبح ابتسامة اتسع فجأة عندما تذكرت بطل فيلم "الملائكة لا تحلق فوق الدار البيضاء" الذي اشترى الحذاء الذي كان يحلم به لفترة طويلة، و كان يحمله بيديه، ويمشي حافيا في أحيان كثيرة..حتى لا يخسر "الحذاء =الحلم".
أقارنه بحالي فأجد الأمر مختلفا كثيرا، إلا أن الأمر جعل مدة الابتسامة تطول، مما جعل المرأة السمينة تنتبه لوضعنا معا وتصرخ في وجهي، بأنني رجل قليل التهذيب، أحاول أن أدافع عن نفسي وأبدأ في شرح الموقف لكن حدة الصراخ زاد مما حدا ببعض الطبيبين إلى محاولة تلطيف الأجواء، أحدهم يقول بأن "الخير في المساعدة"، وآخر "يؤكد بأن "وقت الشدة سيزول"، وصوت امرأة لا تظهر لي تؤكد بأن "ملامحي تشير بأنني رجل طيب"..بصراحة لا أدري كيف ولا متى رأت ملامحي إلا أنني شكرتها في نفسي.
المرأة "الحيزبونة" زادت عصبيتها وصرخت في الجميع "بأن بعض المجرمين يستغلون فرصة الازدحام للتحرش بالنساء"، لم انتبه على نفسي إلا وأنا اصرخ في وجهها :
- نساء؟؟ وهل أنت امرأة ؟؟..اتق الله !!
قبل أن أبدا في كيل السباب لها توقفت الحافلة، حاولت استغلال الفرصة للقفز بعيدا، لاعنا المرأة السمينة التي اتهمتني في أخلاقي، ولاعنا الغبي الذي اقترح صناعة كومة الخردة التي تسمى بالحافلة!!












..






11 ابريل, 2008 02:27 م