مدونة مسألة مبدأ-مصطفى البقالي
همتي همة الملوك..و نفسي ترى المذلة كفرا
.
.

يوميات رجل محترم..مع الحافلة!! (الحلقة الثانية)

الحلقة الثانية

أصل إلى موقف الحافلات القريب من بيتي، وأقف منتظرا مع كثيرين فضلوا مثلي أن يدفعوا أربعة دراهم ثمنا لتذكرة الركوب في الحافلة بدل انتظار ما يقرره العداد الجشع إذا ركب أحدهم سيارة أجرة!!

تقف في يميني أربع فتيات، يبدوا من شكلهم أنهن طالبات..للعلم -ربما- أو لأشياء أخرى لم يتأكد منها ظني السيئ..

تصلني ضحكاتهم المجلجلة.. ويصلني من يساري صوت عجوز في حوالي الستين من عمرها وهي تحولق، وتؤكد فيما يشبه الهمس بأن الزمن "مسخ".

الحافلة لم تتأخر هذه المرة، انتظرناها نصف ساعة فقط!!

تتقدم بخيلاء نحو الموقف الذي اكتظ بالمنتظرين، ولونها البني يشي ببؤس صاحبته..

وبمجرد وقوفها تتقاذف الجموع نحو الباب الذي لم يفتح بعد كموجة عاتية، أحاول أن أحترم نفسي قليلا، وأنتظر حتى يجلس الجميع ويأخذوا مواقعهم، لأصعد إلى الحافلة بصعوبة بسبب ازدحامها الشديد، واضطر إلى مواصلة الرحلة واقفا، وطبعا تبقى هذه نتيجة طبيعية لرجل حاول أن يكون كأي جنتلمان يلبس نظارة، ويحمل حقيبة جلدية في يده اليمنى، ويلبس حذاء أسودا لمعه قبل يومين عند ماسح الأحذية.

الازدحام سيد الموقف داخل الحافلة، يخترق الجابي كل هذا الكم الهائل من الركاب ليصل عندي في الأخير والعرق يتصبب من جبينه العريض، يقترب مني ويمد يده لي بالتذكرة بطريقة ميكانيكية، أضع أربع دراهم في يديه، ويكمل هو طريقه "لجباية" الدراهم من بقية الركاب.

انتبهت فجأة إلى أنني أقف ملاصقا لامرأة سمينة تكاثر الشحم من كل منطقة من جسدها، فأحاول أن ابتعد عنها، لأصطدم بأخرى ورائي.

قبل أن نصل إلى المحطة الأخيرة بثلاث محطات توقفت الحافلة بشكل مفاجئ، جعل الجميع يرتد من مكانه، وجعل المرأة الملتصقة بي تدوس على حذائي الملمع، ألعنها في صمتي. .مفضلا الصمت.

يرقص في شفتي شبح ابتسامة اتسع فجأة عندما تذكرت بطل فيلم "الملائكة لا تحلق فوق الدار البيضاء" الذي اشترى الحذاء الذي كان يحلم به لفترة طويلة، و كان يحمله بيديه، ويمشي حافيا في أحيان كثيرة..حتى لا يخسر "الحذاء =الحلم".

أقارنه بحالي فأجد الأمر مختلفا كثيرا، إلا أن الأمر جعل مدة الابتسامة تطول، مما جعل المرأة السمينة تنتبه لوضعنا معا وتصرخ في وجهي، بأنني رجل قليل التهذيب، أحاول أن أدافع عن نفسي وأبدأ في شرح الموقف لكن حدة الصراخ زاد مما حدا ببعض الطبيبين إلى محاولة تلطيف الأجواء، أحدهم يقول بأن "الخير في المساعدة"، وآخر "يؤكد بأن "وقت الشدة سيزول"، وصوت امرأة لا تظهر لي تؤكد بأن "ملامحي تشير بأنني رجل طيب"..بصراحة لا أدري كيف ولا متى رأت ملامحي إلا أنني شكرتها في نفسي.

المرأة "الحيزبونة" زادت عصبيتها وصرخت في الجميع "بأن بعض المجرمين يستغلون فرصة الازدحام للتحرش بالنساء"، لم انتبه على نفسي إلا وأنا اصرخ في وجهها :

- نساء؟؟ وهل أنت امرأة ؟؟..اتق الله !!

قبل أن أبدا في كيل السباب لها توقفت الحافلة، حاولت استغلال الفرصة للقفز بعيدا، لاعنا المرأة السمينة التي اتهمتني في أخلاقي، ولاعنا الغبي الذي اقترح صناعة كومة الخردة التي تسمى بالحافلة!!

(10) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 11 ابريل, 2008 02:27 م , من قبل fatii88
من المغرب

هي ازمة المواصلات التي تعيشها جل دول العالم النامي لكن الجميل كيفية طرحك للموضوع بأسلوب مضحك يعايش الازمة ,فقد اضحكتني كثيرا بعض التعابير .
والله يكون في عون بطلنا وهل النساء البدينات لسن نسوة امزح
...


اضيف في 11 ابريل, 2008 02:50 م , من قبل elbakali
من المغرب

مرحبا بك أختي فاطمة الزهراء
سعيدا جدا بدوام التواصل بيننا
بطل حكايتي "الذي ليس أنا طبعا" لا يقصد [ان النساء البدينات لسن نساء ولكن قلة الادب التي تتميز به تلك المرأة..تجعلها بعيدة جدا عن مفهوم الأنوثة.
كوني بخير


اضيف في 12 ابريل, 2008 01:12 م , من قبل FAtii88
من المغرب

فهمت ذلك من البداية لكن الجملة اضحكتي كثيرا(وهل انت امراة)هذه المرة سأعلق بجدية ,الشخصية المرسومة في هذه اليوميات شخصية واقعية بامتياز لأن الظاهرة المحكي عنها معاشة يوميا وقد يجد اي واحد منا نفسه مكان البطل ,لكن تطغى مجموعة من الدلالات ساهمت في دينامية الحدث منها نفسية من خلال مجموعة من السلوكات عدم سعادته في الاستيقاض رمي المنبه احترام الاخر عدم التدافع مع الاخرين ,نعل من اخترع الحافلة .ودلالات اجتماعية منها ازمة النقل التي تعاني منها شريحة مجتمعية ودليله الازدحام والتدافع كذلك عدم الوعي الذي مثلثه المرأة السمينة التي هي بعيدة عن كل الادب و كذلك التطرق ولو بجملة عن التحرش الذي اصبح في كل مكان .هذه هي اهم الدلالات التي لمستها قد نجحت في رصد جملة من القضايا الاجتماعية الراهنة .يأخي من اين لك كل هذا الذكاء


اضيف في 12 ابريل, 2008 07:46 م , من قبل elbakali
من المغرب

اليوم اكتشفت فاطمةالزهراء الناقدة
تحليلك مميز جدا
دام نبضك
مصطفى


اضيف في 15 ابريل, 2008 12:57 م , من قبل halataha

مصطفى قرأت في مدونة لشيب عن الشي اللي صار معك، ليه؟وشو صار؟! لازم تكتب عن الموضوع وتفضحهم، الله يخزيهم .


اضيف في 15 ابريل, 2008 12:58 م , من قبل halataha

وصحيح ، الحمدلله على سلامتك وإن شاء الله ما عليك شر يا رب.

الله يحميك ويحمي كل الصحفيين واللي بدافعوا عن الحرية واللي بحاولوا يدافعوا عن قضايا أمتنا.


اضيف في 18 ابريل, 2008 09:24 م , من قبل محمد ملوك
من المغرب

تذكرت اليوم ما تعرضت له وانت تقوم بعملك كصحفي مثابر فلم أجد ما به أواسيك إلا هذه الأبيات القديمة التي نظمتها عقب موقف مشابه حدث معي عام 2003
................





موتي في العز

هذا الدمع فكن في الشعر راثــِــيَــا
وانعى بحزن موت الديموقراطــِيَـهْ
شيع بأقلامك لحدا لها وســــــــــلْ
عن فديتها هل تكون غاليـَـــــــــــهْ
واحكي عن قمعهم بصدق لا تخـف
فالخائف في زمني صار إرهابـــيـَا
إحكي ولا تبكي فما بقى للبُـكـَــا
نفع وظالمنا علينا واليـــــَـــــــــــــا
قل للفرائص لا تحركي ساكنـــــــــا
مادام خصمنا في الحكم قاضيـــــَـــا
خبِّرْ بني جــِلدتك عن جــــلدك يوم
الوقفة والظلم منهم ساريــــــــَـــــــا
كيف صار قصعة تجمَّع الآكــــلون
لها عليها من كل ناحيــَـــــــــــــــــهْ
كيف صرت فريسة تنهـــــــــــشها
أنياب كلاب و وحوش ضاريَـــــــــهْ
كيف كــَـستـْـك العِصِيُّ ألوان طيف
حتى أفقدتك كل ماهيـَــــــــــــــــــــهْ
كيف غاب الوعي عنك في ظــــُهر
صوت المؤذن فيه يشدو عالـــــيـــَا
حتى إذا انتهيت من وصف قـــــمع
أمسى رسمه عليك باديـــــــــــــــَــا
تضرّع إلى مولاك سائـــــــــــــــــلا
شهادة الحرِّ في وجه الطـَّــاغيَــــهْ
سائله أجر دمع جرى من عينـــيْ
أمٍّ باتت لك راعيَــــــــــــــــــــــــــهْ
وقل أماه إلى الله نــــــــــــــــشكو
ظلم الجلاد وقـــــــــــــمع الزبانيـَهْ
شعارنا لا إله إلا اللــــــــــــــــــــه
وسلاحنا سورة الغاشيـــــــــــــــــهْ
فإن أمت فلتهنئي بي دائمــــــــــــا
وإن أعش فالنضال يشفي ما بــِـــيَ
النضال درب أنا اختــــــــــــــــرته
وفي طريق النضال أُفــْـنِـي عـــمريَ
إن كان موتي طلبا للحق شـــهادة
مصيرها الفردوس العاليــَـــــــــــــهْ
فها أنذا أعلنها صـــــــــــــــــارخا
فلتسمعها مني يا والــــــــــــــــــــيَا
موتي في العزِّ بالقمع أهون لـــي
من عيش ذلٍّ أكون فيه راثــــــــــــيَا


اضيف في 19 ابريل, 2008 03:38 ص , من قبل saltytears
من المملكة العربية السعودية

أخي الكريم مصطفى


استمتعت بقراءة هذه اليوميات !!

ضحكت خلال قراءتي ، شكراً لك لم أضحك

منذ زمن ..

أسلوبك جميل و بليغ .. أشكرك على

هذا الطرح..


جارتك
مرفأ الحب


اضيف في 21 ابريل, 2008 10:38 م , من قبل عرفة فاروق السيوطى
من مصر

الاخ العزيز مصطفى
كأنى اعرفك منذ مدة فهذه اليوميات يومياتى ايضا وهذا حالنا جميعا الا إننى لم اقل لإمراة ابدابأنك لست امراة على اية حال اسلوبك محترم مثلك
ومدونتك رائعة
اتمنى ان تشرفنى بزيارة مدونتى البسيطى على الطريق
وهى دعوة لنتواصل معا على الطريق
اخوك فى الله
عرفة فاروق السيوطى


اضيف في 24 ابريل, 2008 09:25 م , من قبل dinay
من لبنان

حقا يوميات ممتعة للغاية ... وأجمل ما فيها أنها تحكي الواقع تماما !!!
وما اعجبني أن نفس المعاناة يشترك فيها مختلف اللدان العربية سواء في المشرق او المغرب !!!

عموما بوركت ... مع المزيد من الالابداع !




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.